يوسف المرعشلي

853

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

لإكمال خطته التحريرية الجهادية ، وقضى نحو خمسة أشهر في « أنقره » ، ثم دخل « إستنبول » في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة وألف ، وقابل عصمت باشا رئيس وزراء « تركيا » ، ولم يزل في حل وعقد ، ومداولات ومخابرات ، حتى يئس من الوصول إلى نتيجة ، فعزم على التوجه إلى « مكة » ملجأ العالمين ومثابة المسلمين ، وقد أعيت به الحيل ، وضاقت عليه السبل ، فسافر من « إستنبول » في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وثلاث مئة وألف بالباخرة عن طريق « إيطاليا » ، وكان العام الذي انعقد فيه المؤتمر الإسلامي بدعوة الملك عبد العزيز ابن سعود ، ولم يدرك الحج والمؤتمر بتأخر الباخرة . وألقى رحله في جوار البيت ، ومكث نحو خمس عشرة سنة يدرّس التفسير للراغبين فيه من العلماء والقاصدين لبيت اللّه الحرام ، ويقضي أوقاته في الدرس والمطالعة ، والعبادة والإفادة ، معتزلا في بيته ، زاهدا متوكّلا ، متقشفا في الحياة يتبلغ بلقمة من العيش وبما يقيم صلبه ، لا يطمع في الدخول في الهند والاجتماع بالأحبة والتلاميذ ، حتى جاء اللّه بالفرج ، وسعى بعض أصدقائه من أصحاب النفوذ في منحه السماح للعودة إلى الهند ، فسمح له بذلك ، فعاد إلى وطنه ووصل إلى « كراتشي » في منتصف محرم سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة وألف بعد أربع وعشرين سنة ، واستقبله تلاميذه وزملاؤه والمقدرون لفضله وجهاده بإخلاص وحماس ، وقد مات أكثر شيوخه ، وانقرض جيل وجاء جيل جديد ، وتطورت البلاد ، وتغيرت الأحوال ، فلقي جوا جديدا ، وشعر بشيء من الغربة ، وأبدى من الآراء الغريبة ، والأفكار الشاذة في السياسة والاجتماع ، والثقافة والإصلاح ما لم توافق أكثر أصدقائه ، وقادة المسلمين وزعمائهم ، واتسعت الفجوة بينه وبين العلماء والزعماء ، وكان يرى اقتباس الخط اللاطيني ، واتخاذ اللباس الإفرنجي تفاديا من فرض لباس وطني ، يغلب فيه طابع اللباس البرهمي ، والحروف السنسكيريتيا ، وكان يرى أنه الحل الوحيد لوقاية المسلمين من الوقوع تحت عبودية الأكثرية الفكرية والثقافية ، وانزعجت من ذلك الطبقات الدينية ، وقضى أيامه الأخيرة في الهند في تناس وقلة إقبال يقضي مدة في « دهلي » ومدة في « السند » يدرس فيها « حجة اللّه البالغة » على طريقته الخاصة ، ويشكل بعض اللجان السياسية ، حتى وافاه الأجل في الثالث من رمضان سنة ثلاث وستين وثلاث مئة وألف ، ودفن بجوار شيخه العارف الكبير الشيخ غلام محمد في قرية « دينپور » من توابع « بهاولپور » . وكان الشيخ عبيد اللّه من نوادر الرجال في قوة الإرادة وشهامة النفس واقتحام المخاطر ، والبعد في التخيل ، والاعتماد على النفس ، والعزوف عن الشهوات ، وكان مفرط الذكاء ، قوي المناسبة في العلوم ، جيد النظر في طبقات العلماء ، وتاريخ العلوم ، وتدوين الحديث ، وكان مفرط الحب والانتصار لشيخ الإسلام ولي اللّه بن عبد الرحيم الدهلوي ، عظيم الشغف بكتبه وعلومه وتحقيقاته ، لا يكاد يعدل به أحدا من حكماء الإسلام والعلماء الأعلام ، جعل كتابه « حجة اللّه البالغة » وتحقيقاته في كتبه أساس فكره وجهده ، يطبقها على العصر الجديد ونظمه ، بذكاء يغلب عليه التخيل والتقعر ، وكان له مذهب في تفسير القرآن ، يستنبط منه دقائق السياسة العصرية ، والمذاهب الاقتصادية ، ويتوسع في الاعتبار والتأويل ، وقد تخرج عليه في هذا الأسلوب من التفسير بعض كبار العلماء الذين نفع اللّه بهم خلقا كثيرا ، أشهرهم الشيخ أحمد علي اللاهوري ، وقد انتقد على هذا الأسلوب الشيخ أشرف علي التهانوي ، وألف رسالة سماها « التقصير في التفسير » . وكان شديد الانتقاد لزعيم الهند المشهور « غاندي » وسياسته ، ويراها خطرا على شخصية المسلمين ، وكان شديد الانتقاد لكمال أتاترك ، شديد المعارضة للشيوعيين والملاحدة ، وكانت تعتريه حدة في بعض الأحيان ، فيثور وينفجر ولا يبالي بشيء ، وكان لا يبالي بقالة الناس ونقدهم ، وكانت له أذكار قلبية ، وأوراد يديمها . كان مربوع القامة ، أسمر اللون ، زاهدا في اللباس والطعام ، ولم يكن له كبير الاشتغال بالتأليف ، ومن أحسن ما كتب « التمهيد في أئمة التجديد » بالعربية ألّفه بمكة ، ومقالة عن الشيخ ولي اللّه الدهلوي في العدد الخاص بذلك لمجلة « الفرقان » الشهرية ، تدل على سعة نظره وعمق فكرته .